القاضي التنوخي
132
الفرج بعد الشدة
وحبس معي أبو المثنّى القاضي « 3 » ومحمّد بن داود الجرّاح « 4 » في دار واحدة ، في ثلاثة أبيات متلاصقة ، وكان بيتي في الوسط . وكنّا آيسين من الحياة ، فكنت ، إذا جنّنا الليل ، حدّثت أبا المثنّى تارة ، ومحمّد بن داود تارة ، وحدّثاني من وراء الأبواب ، ويوصي كلّ منّا إلى صاحبه ، ونحن نتوقّع القتل ساعة بساعة . فلمّا كان ذات ليلة ، وقد غلّقت الأبواب ، ونام الموكّلون بنا ، ونحن نتحدّث في بيوتنا ، إذ حسسنا بصوت الأقفال تفتح ، فارتعنا ، ورجع كلّ واحد منّا إلى صدر بيته . فما شعرنا إلّا وقد فتح الباب عن محمّد بن داود ، فأخرج ، وأضجع ليذبح ، فقال : يا قوم ، ذبحا كما تذبح الشّاة ، أين المصادرات ، أين أنتم عن أموالي أفتدي بها نفسي ؟ عليّ كذا وكذا . قال : فما التفتوا إلى كلامه ، وذبحوه ، وأنا أراه من شقّ الباب ، وقد أضاء الصّحن ، وصار كأنّه نهار من كثرة الشموع ، واحتزّوا رأسه ، وأخرجوه معهم ، وجرّوا جثّته ، فطرحت في بئر الدّار ، وغلّقت الأبواب ، وانصرفوا .
--> ( 3 ) أبو المثنى أحمد بن يعقوب القاضي : اشترك في السنة 296 في خلع المقتدر ، وبايع ابن المعتز بالخلافة ، ولما فشلت المؤامرة ، اعتقل ، وأرادوه أن يقرّ على نفسه بأنّه أخطأ ، فأبى ، وأدّى إصراره إلى قتله رحمه اللّه ، قال عنه صاحب شذرات الذهب 2 / 224 إنّه أحد من قام في خلع المقتدر تديّنا ، وذبح صبرا ، وهو أوّل قاض قتل صبرا في الإسلام ( لطائف المعارف 23 ) . ( 4 ) أبو عبد اللّه محمّد بن داود بن الجرّاح الكاتب : عمّ الوزير علي بن عيسى بن الجرّاح ، قال عنه صاحب شذرات الذهب 2 / 225 : كان أوحد أهل زمانه في معرفة أيّام الناس ، وكان صديقا لابن المعتزّ ، وتزعّم المؤامرة التي قامت لاستخلافه وخلع المقتدر ، واستوزره ابن المعتزّ ، فلما فشلت المؤامرة ، اعتقل وقتل ، راجع الأعلام 6 / 355 ، وتجارب الأمم 1 / 5 و 6 و 9 و 10 وكتاب الوزراء للصابي 29 - 31 ، 100 ، 109 ، 143 ، 145 ، 148 - 150 ، 153 ، 155 ، 166 ، 185 ، 191 ، 242 ، 244 ، 252 ، 256 ، 257 ، 278 ، 284 ، 286 ، 287 .